ابن رشد
147
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 150 ] وقد تبين ( - تتبيّن ) هذا المعنى مما أقوله : وذلك أنه لما لم يكن هاهنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس ، أو العدم ، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود إنما ينسب إلى الوجود ، أعني : أنه يقال إنه موجود ، أي في الوجود ، إذ لا يمكن أن يقال إنه موجود في العدم ، فإن كان هاهنا موجود هو أشرف الموجودات ، فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى الجزء الأشرف ، وهو السماوات . ولشرف هذا الجزء قال تبارك وتعالى : « لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ( غافر 57 ) ( 43 / ظ ) . وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم « 44 » . [ 151 ] فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل ، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه ، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع ، وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى ، مع نفي الجسمية ، هو أنه ليس في الشاهد مثال له . فهو بعينه السبب في أن « 81 » لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه ، لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد ، مثل العلم ، فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده ( - الصانع ) كان شرطا في وجود الصانع الغائب . وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون ، فإن الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته ، مثل العلم بالنفس ، أو يضرب لهم مثالا من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم ، وإن لم يكن ذلك المثال هو نفس الأمر المقصود تفهيمه ، مثل كثير مما جاء من أحوال المعاد . [ 152 ] والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها ، لا سيما إذا لم يصرّح لهم بأنه ليس بجسم . فيجب أن يمتثل « 82 » في هذا كله أمر « 83 » الشرع ، وألا يؤول ما لم يصرح الشرع بتأويله .
--> ( 44 ) المقصود ب " الراسخين في العلم " هنا هم الفلاسفة ، علماء الطبيعة وفي الجملة طبيعيات أرسطو وإلهياته . ( 81 ) ت : " انه " ( 82 ) . ت : يمثل ( 83 ) في بقية النسخ " فعل " .